ابن عجيبة
450
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 191 إلى 194 ] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 ) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 194 ) يقول الحق جل جلاله ، في وصف أولى الألباب : هم الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ، أي : يذكرونه على الدوام ، قائمين وقاعدين ومضطجعين ، وعنه - صلّى اللّه عليه وسلم - : « من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر اللّه » . وقيل : يصلون على الهيئات الثلاث ، حسب الطاقة لقوله عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين ، وكان مريضا : « صلّ قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنبك وتومىء إيماء » . وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ استدلالا واعتبارا ، وهو أفضل العبادات قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا عبادة كالتفكر » ؛ لأنه المخصوص بالقلب ، والمقصود من الخلق ، وعنه صلّى اللّه عليه وسلم : « بينما رجل مستلق على فراشه فنظر إلى السماء والنجوم ، فقال : أشهد أن لك خالقا ، اللهمّ اغفر لي ، فنظر اللّه إليه فغفر له » . وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله . قاله البيضاوي . وسيأتي مزيد من كلام على التفكر في الإشارة إن شاء اللّه . فلما تفكروا في عجائب المصنوعات ، قالوا : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي : عبثا من غير حكمة ، بل خلقته لحكمة بديعة ، من جملتها : أن يكون مبدأ لوجود الإنسان ، وسببا لمعاشه ، ودليلا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك ، لينال الحياة الأبدية ، والسعادة السرمدية في جوارك ، سُبْحانَكَ تنزيها لك من العبث وخلق الباطل ، فَقِنا عَذابَ النَّارِ التي استحقها من أعرض عن النظر والاعتبار ، وأخل بما يقتضيه من أحكام الواحد القهار ، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يمنعونهم من دخول النار . ووضع المظهر موضع المضمر ؛ للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخالهم النار ، وانقطاع النصرة عنهم في دار البوار . رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ ، وهو الرسول العظيم الشأن ، أو القرآن ؛ قائلا : أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ووحدوه ، فأجبنا نداءه وآمنا ، رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا الكبائر ، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا الصغائر ، وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ المصطفين الأخيار ، مخصوصين بصحبتهم ، معدودين في زمرتهم ، وفيه تنبيه على أنهم يحبون لقاء اللّه فأحب اللّه لقاءهم . رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى تصديق رُسُلِكَ من الثواب ، أو على ألسنة